علي أصغر مرواريد
29
الينابيع الفقهية
الإمساك المتقدم ، وإن تلف بعد زوال العذر وإمكان الرد لزمه الضمان ، لأنه أخر الرد بعد وجوبه مع الإمكان . فأما إذا لم يكن له عذر ، مثل أن يكون المال معه حاضرا وهو فارع غير متلبس بشغل فأخره إلى وقت آخر مثل أن يقول : أرده عليك غدا ، صار ضامنا بذلك لأنه متعد بترك الرد مع الإمكان ، فإن ادعى بعد ذلك التلف وذكر أنه كان قد تلف قبل المطالبة أو ادعى الرد قبل المطالبة لم يقبل قوله في ذلك ، لأنه صار خائنا بتأخيره الرد مع الإمكان وبطلت أمانته فلم يقبل قوله . فأما إذا قال : كان هذا المال تلف قبل المطالبة ، أو رددته قبل المطالبة وأنا أقيم البينة على ذلك ، فهل تقبل بينته أم لا ؟ قيل فيه وجهان : أحدهما - وهو الصحيح - : أنها تسمع منه ، لأنه يقيمها على تلف أو رد لو صدقه لم يلزمه الضمان ، فكذلك إذا قامت عليه البينة . والثاني : أنها لا تسمع بينته ، لأنه كذبها بقوله " أرده عليك وقتا آخر " لأن ذلك يقتضي سلامته وبقاءه في يده ، وفي الناس من قال : هذا القول أرجح وأصح لأنه بقوله الثاني مكذب لقوله الأول ومكذب لبينته بقوله الأول فلم تسمع منه . وأما إذا صدقه على تلفه فقد أقر ببراءته فلا يجوز له مطالبته ، وليس كذلك إذا قامت البينة لأنه لم يبرئه صاحب المال بل هو مكذب لها فكأنه لم يقم البينة ولم يبرئه صاحب المال فلزمه الضمان . إذا كان لرجل قبل رجل مال فطالبه بتسليمه إليه فقال : لا أسلمه إليك حتى تشهد على نفسك بالتسليم ، فهل له ذلك أم لا ؟ اختلف أصحاب الشافعي في ذلك ، فأكثرهم فصلوا الحال فيه فقالوا : إن كان هذا المطالب بالتسليم يقبل قوله في التلف والرد - مثل المودع والوكيل بلا جعل - لم يكن له ذلك وكان عليه أن يرد بلا إشهاد ، ومتى ما أخر الرد لزمه الضمان لأنه لا حاجة به إلى الشهادة ، لأن أكثر ما يتوقعه منه أن يدعي